علي محمد علي دخيل
507
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الخائف الذي يسأله الأمن ، والمريض الذي يطلب العافية ، والمحبوس الذي يطلب الخلاص ، فإن الكل إذا ضاق بهم الأمر فزعوا إلى ربّ العالمين وأكرم الأكرمين ؛ وإنّما خصّ المضطر وإن كان قد يجيب غير المضطر لأن رغبته أقوى ، وسؤاله أخضع وَيَكْشِفُ السُّوءَ أي يدفع الشدة وكل ما يسوء وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ يجعلكم خلفاء من الكفار بنزول بلادهم ، وطاعة اللّه تعالى بعد شركهم وعنادهم أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ أي قليلا ما تتعظون أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ أي أما تشركون خير أم من يرشدكم إلى القصد والسمت في البر والبحر بما نصب لكم من الدلالات من الكواكب والقمر إذا ضللتم ؟ وهو كقوله : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ قد مضى تفسيره ووجوه القراءات فيه أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أي جلّ وتنزّه عن الشريك كما يزعمه المشركون أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ بأن يخترعه ويوجده وينشئه على غير مثال واحتذاء ، ثم يميته ويفنيه ثُمَّ يُعِيدُهُ بعد الإفناء ؛ وإنما قال ذلك لأنهم أقرّوا بأنه الخالق فيلزمهم الإقرار بالبعث من حيث أن من قدر على الإنشاء قدر على الإعادة وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ بإنزال المطر ، وبإخراج الثمار والنبات أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ يقدر على ذلك قُلْ لهم يا محمد هاتُوا بُرْهانَكُمْ أي حجتكم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ان لي شريكا صنع شيئا من هذه الأشياء ، فإذا لم يقدروا على إقامة البرهان على ذلك فاعلموا أنه لا إله معي ، ولا يستحق العبادة سواي قُلْ يا محمد لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الملائكة والانس والجن الْغَيْبَ وهو ما غاب علمه عن الخلق مما يكون في المستقبل إِلَّا اللَّهُ وحده أو من أعلمه اللّه تعالى وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ أي متى يحشرون يوم القيامة . دلّ سبحانه بهذه الآية كما دلّ بما تقدّمها على قدرته . 66 - 75 - لما أخبر سبحانه عن الكفار أنهم لا يشعرون متى يبعثون ، وأنهم شاكون ، عقّبه بأنهم يعلمون حقيقة ذلك يوم القيامة فقال : بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ أي تتابع منهم العلم وتلاحق حتى كمل علمهم في الآخرة بما أخبروا به في الدنيا فهو على لفظ الماضي ، والمراد به الاستقبال ، أي يتدارك ، ومن قرأ أدرك فمعناه : سيدرك علمهم هذه الأشياء في الآخرة حين لا ينفعهم اليقين بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها في الدنيا عن ابن عباس ، والمعنى : ان ما جهلوه في الدنيا وسقط علمه عنهم علموه في الآخرة وقيل معناه : اجتمع علمهم يوم القيامة فلم يشكّوا ولم يختلفوا عن السدي ، وقال مقاتل : يقول بل علموا في الآخرة حين عاينوها ما شكوا وعموا عنه في الدنيا وقيل : إن هذا على وجه الاستفهام فحذف الألف والمراد به النفي بمعنى انه لم يدرك علمهم بالآخرة ولم يبلغها علمهم وقيل معناه : أدرك هذا العلم جميع العقلاء لو تفكروا ونظروا لأن العقل يقتضي ان الاهمال قبيح فلا بدّ من تكليف ، والتكليف يقتضي الجزاء وإذا لم يكن ذلك في الدنيا فلا بدّ من دار للجزاء وقيل : إن الآية اخبار عن ثلاث طوائف : طائفة أقرّت بالبعث وطائفة شكت فيه ، وطائفة نفته بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ أي عن معرفتها ، وهو جمع عمى وهو الأعمى القلب لتركه التدبر والنظر وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا بإنكارهم البعث أَ إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَ إِنَّا لَمُخْرَجُونَ من القبور مبعوثون ، يقولون ذلك على طريق الاستبعاد والاستنكار لَقَدْ وُعِدْنا هذا البعث نَحْنُ فيما مضى وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ أي ووعد آباؤنا ذلك من قبلنا فلم يكن مما قالوه شيء إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي أحاديثهم وأكاذيبهم التي كتبوها قُلْ يا محمد سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ الذين كفروا باللّه وعصوه ، أي كيف أهلكهم اللّه وخرب ديارهم وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي على تكذيبهم وتركهم